سيد محمد طنطاوي

330

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعن مالك بن ربيعة الساعدي قال : بينما أنا جالس عند رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - إذ جاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول اللَّه ، هل بقي على من بر أبوى شيء بعد موتهما أبر هما به ؟ قال : « نعم : خصال أربع . الصلاة عليهما والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما ، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما » « 1 » . وقال القرطبي : أمر اللَّه - سبحانه - بعبادته وتوحيده ، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك . كما قرن شكرهما بشكره ، فقال : * ( وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) * . وقال : أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه قال : سألت النبي صلى اللَّه عليه وسلم : أي الأعمال أحب إلى اللَّه - تعالى - ؟ . قال : « الصلاة على وقتها . قلت : ثم أي ؟ قال : « بر الوالدين » ، قلت ثم أي : قال : الجهاد في سبيل اللَّه « . . . ثم قال القرطبي - رحمه اللَّه - : ومن عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما ، كما أن من برهما موافقتهما على أغراضهما . وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه . ما لم يكن ذلك الأمر معصية ، ولا يختص برهما بأن يكونا مسلمين ، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما . ففي صحيح البخاري عن أسماء قالت : قدمت أمي وهي مشركة فاستفتيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ - أي وهي راغبة في برى وصلتي ، أو وهي راغبة عن الإسلام كارهة له - قال : « نعم صلى أمك » . ثم قال القرطبي : ومن الإحسان إليهما والبر بهما ، إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما . فعن عبد اللَّه بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : « أحي والداك ؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد » . قال ابن المنذر : في هذا الحديث النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير ، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع . ثم قال : ومن تمام برهما : صلة أهل ودهما ، ففي الصحيح عن ابن عمر قال : سمعت

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 62 .